الشيخ محمد الصادقي الطهراني
111
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
صحيح أن هنالك آتوا تأمر بالإنفاق والإيتاء والتصدق والإعطاء والتخميس خالية عن لفظ الزكاة ، ولكنها تعم الضريبة المستقيمة الشاملة وهي الزكاة المعبر عنها ب « حقه » و « حق معلوم » والضريبة غير المستقيمة الخاصة بموارد الحاجة كما « يسألونك ماذا ينفقون قل العفو » « 1 » وهو الزائد عن الحاجة المتعودة دون إسراف ولا تبذير أو تقتير . وعلى أية حال لا مشاحة في لفظة الزكاة وسواها فإنها تعم كل إيتاءٍ يزكِّي المال والحال والمجتمع عن مختلف الأدران الفردية والجماعية ونكباتها . فهذه الآية هي من الآيات التي تثبت حقاً ثابتاً في كل الثمرات ، دون اختصاص بالغلات الأربع المخصَّصة في الفتاوى في حقل الزكاة ، فعليك إيتاء حقه ثم سمِّه ما شئت زكاةً أو غير زكاة . أجل قد تختلف حالة الزكاة في العهد المكي عن العهد المدني كما اختلفت في نفس العهد المدني ، اختلافاً في أنصبة الزكاة ومواردها ، سياسة تدريجية في أخذ الزكاة ، مرحلية في أبعادها ، أداءً وأخذاً وقدراً كما تأتي في آيتي الصدقات : « خذ من أموالهم صدقة . . » « إنما الصدقات للفقراء والمساكين . . » . ومختلف الحديث حول « آتوا حقه يوم حصاده » معروض على القرآن فيصدَّق ما وافقه « 2 » ويؤوَّل أو يطرح ما خالفه . « 3 »
--> ( 1 ) . 2 : 219 ( 2 ) . من الموافق للآية ما في الدر المنثور 3 : 50 - اخرج عبد بن حميد عن قتادة « وآتوا حقه يوم حصاده » قال : الصدقة التي فيه ذكر لنا ان نبي اللَّه صلى الله عليه وآله سنفيما سقت السماء أو العين السائحة أو سقى النيل أو كان بعلًا العشر كاملًا وفيما سقى بالرشا نصف العشر وهذا فيما كان يكال من الثمر . . . وفيه اخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس « واتوا حقه يوم حصاده » يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله ، وفيه عن طاوس مثله وعن الحسن في الآية قال هو الصدقة من الحب والثمار ، وذهب إليه سعيد بن المسيب والضحاك . ومن طريق أصحابنا في نور الثقلين 1 : 770 عن الكافي عن القمي عن أبيه عن حماد بن عيسى عن حِريز عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير عن أبي جعفر ( ع ) في قول اللَّه عزَّ وجل : « وآتوا حقه يوم حصاده » فقالوا جميعاً قال أبو جعفر ( ع ) هذا من الصدقة تعطي المسكين القبضة بعد القبضة ومن الجذاد الحفنة بعد الحفنة حتى يفرغ ويعطى الحارث أجراً معلوماً فيترك من النخل معافارة وأم جعرور ويترك للحارسين يكون في الحائط العذق والعذقان والثلاثة لحفظه إياه . وفيه عن تفسير العياشي عن سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله انه كان يكره ان يصرم النخل بالليل وان يحصد الزرع بالليل لأن اللَّه يقول : « وآتوا حقه يوم حصاده » قيل يا نبي اللَّه وما حقه ؟ قال : ناول منه المسكين والسائل ، وفيه عنه عن أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام في الآية : فسماه اللَّه حقاً ، قال قلت : وما حقه يوم حصاده ؟ قال : الضغث وتناوله من حضرك من أهل الخاصة ، ورواه مثله أبو الجارود عن أبي جعفر ( ع ) ، وفي الصحيح عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبى بصير في الآية هذا من الصدقة يعطى المسكين القبضة بعد القبضة ومن الجذاذ الحفنة بعد الحفنة حتى يفرغ ( 3 ) . في الدر المنثور 3 : 49 عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله في الآية قال : ما سقط من السنبل ، وفيه أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن انس ان رجلًا من بني تميم قال يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنا رجل ذو مال كثير وأهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف انفق وكيف اصنع ؟ قال : تخرج زكاة مالك فإنها طهرة تطهرك وتصل اقاربك وتعرم حق السائل والجار والمسكين . ومن طريق أصحابنا في الوسائل ( 6 : 134 ) عن أبي مريم عن أبي عبداللَّه عليه السلام في الآية قال : تعطي المسكين يوم حصادك الضغث ثم إذا وقع في البيدر ثم إذا وقع في الصاع العشر ونصف العشر ، وفي نور الثقلين 1 : 770 عن الكافي عن معاوية بن شريح قال سمعت ابا عبداللَّه عليه السلام يقول : في الزرع حقان حق يؤخذ به وحق تعطيه ، قلت : وما الذي أؤخذ به وما الذي اعطيه ؟ قال : اما الذي تؤخذ به فالعشر ونصف العشر واما الذي تعطيه فقول اللَّه عزَّ وجلَّ : « وآتوا حقه يوم حصاده » يعني من حصدك الشيء بعد الشيء ولا اعلمه إلَّا قال الضغث ثم الضغث حتى يفرغ » . أقول : من الملاحظ في أحاديث الحقين انهما يتعلقان بما ذكر في الآية ككل ، فقد دلت - على أية حال - على تحليق واجب الزكاة على كل الثمار . ثم قد يعني الحقان ان الأوَّل هو الفرض المكي والثاني هو الفرض المدني ، وحتى ان كانا في المدينة فالحق المكي هو الأوّل